السيد محمد الحسيني الشيرازي

102

الفقه ، السلم والسلام

كما ذكرتها الآية الكريمة : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ « 1 » ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه إلى الحج وبذل قصارى جهده في إقناع قريش أنه خرج حاجا وزائرا لا غازيا ولا محاربا ، لكن أهل مكة رأوا أن ذلك إهانة لهم وهم أصحاب العدة والمنعة والقوة ، فوقفوا أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصدّوه وأتباعه عن مكة المكرمة وعن المسجد الحرام وتأزم الموقف حتى انتهى بمعاهدة أمضيت بين المسلمين والمشركين على شروط لمدة معينة ، منها من هاجر من المكيين إلى المسلمين يرده المسلمون إليهم ولا يرد المشركون من هاجر إليهم من المسلمين ، وأن يرجع المسلمون عن مكة هذا العام على أن يدخلوها في العام المقبل ، لكن أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد رأوا في تلك المعاهدة إجحافا لحقوق المسلمين ، ولونا من الإهانة والذلة والاستصغار لا يتفق مع عزّة الإسلام وكرامته ، ولذا استبد ببعضهم الغضب وظهر على وجوههم غيظهم ، وكان البعض منهم يعبر عن ثورته بكلمات ما كان يظن أن يجري مثلها ممن آمن بالله واليوم الآخر ، فقال مكذّبا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ورؤياه حيث قال : والله ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام ألست رسول الله وألسنا نحن المسلمين وأليس الله أخبرك بأنك تدخل فتحلق وتقصّر فعلام نعطي هذه الدنية في ديننا ، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حلم حلما كبيرا لأنه عرف أن هذا الرجل لا يعرف عاقبة الأمر وإنما العاقبة هي المعيار ، وأخيرا أصدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أوامره إلى أصحابه لكي يستعدّوا للرجوع إلى المدينة ، وطلب منهم أن يتحلّلوا من إحرامهم فعظم الأمر عليهم ولم ينقادوا إلى تنفيذ أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وبدت علامات العصيان والتمرد على وجوههم ، واشتدّ غضب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذ كيف يمضي صلحا مع أعداء له ثمّ يغضبه جيشه ويثور عليه في تنفيذ أمره والوفاء بعهده ، فدخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على زوجته ( أم سلمة ) في هذا الموقف الحرج قائلا لها : » هلك المسلمون يا أم سلمة أمرتهم فلم يطيعوا « وهنا يظهر مقدار السمو ومبلغ التوفيق في الرأي والمشورة حتى عند امرأة كأم سلمة ، فقالت أم سلمة : اعذرهم يا رسول الله ، فقد حمّلتهم أمرا عظيما في الصلح فهم بذلك مكرهون ، والرأي أن تخرج

--> ( 1 ) سورة الفتح : 27 .